السبت، 28 مارس، 2009

نقد - نبيل عودة

زمان كاظم إبراهيم الشعري
بقلم:نبيل عودة
ديوان ((هنا في زمان آخر)) صدر بدعم دائرة الثقافة العربية سنه 2000.
ما شدني بالأساس في ديوان كاظم إبراهيم هو عنوانه العابق بالحلم الشعري:
ويفسر في مقدمته, أن زمننا, هو الزمان الآخر للشعر حيث أن زمان الشعر كان في الجاهلية,
حيث علقت المعلقات على صدر الكعبة, وكان سوق عكاظ محجاً لمحبي الشعر ومكاننا لم يختلف.
ولكن بشرحه هذا قتل الحلم الشعري بالعنوان, بتحديده النهائي والقاطع للمعنى, وإذا استعملنا التعابير الدارجة في الإعلام اليوم فقد وضع ((طوقا)) حول المعنى وأغلق ((منافذ)) الحلم , قبل أن نبدأ بقراءة النصوص وبذلك يحرمنا من ((الانطلاق)) مع الحلم الشعري.
ومع ذلك كاظم ابراهيم من الأسماء المثابرة والجادة والقلقة.
مثابر في كتابته الشعرية, وجاد في نصوصه, وقلق لتطوير مبنى قصائده. وكما يقول في قصيدته ((امريكا)) وكأني به يستعير اسم الأرض ويحوله لاسم حركي للشعر:
الأرض جبال نصعدها والأرض سهول نزرعها
والأرض مراع والأرض صحاري فلماذا الموت
وهو يؤكد ذلك أكثر بما يقوله في قصيدته ((تواجد)):
الشعر حين غاب عني غابت الأحلام من مرأى العيون
وطل موج حائر في بحر أحزاني يجول
ويواصل كاظم تقديم التقارير عن العلاقة الوثقى بينه وبين الشعر, موضحاً أن الشعر
هو اللغة التي يقول عبرها ما يريد, ولكن:
لا بد من فرح لكي أترنم لا بد من قدر لكي أتألم
لا بد منك لكي تعودي فرادتي
قصيدة((حتمية))
قصيدته ((أسف)) شدتني هذه القصيدة- البرقية, ولكنه لم يقنعني بنهايتها, يقول:
تأسفت جدا
لأني رفضت التجول يوما
برفقة غادة
تأسفت جدا. وصار التأسف عندي سلوكاً وعادة؟)).
السطر الأخير يهدم جمال القصيدة, يغرق النص بتشاؤم وسوداوية, وينقل هذه القصيدة- البرقية القصيرة من الحلم الجميل الذي توقعته مع سطريها الأولين, إلى مجرد خبر, قد ينفع الخبر
بالنص القصصي إذا أحسن القصاص صياغته, ولكنه في الشعر يشبه العبوة الناسفة. ويكفينا ما في حياتنا من عبوات ناسفه.
فأنت تقول بالقصيدة قبلها ((لابد منك..لتعود فرادتي)) أم نسيت؟!
وقد حان الوقت لنكف عن التأسف. حان الوقت لنتحول إلى شعب لا يتأسف كل صباح وكل مساء. وإذا لم نفعل ذلك بأدبنا, كبدايه..
فيا ويلنا. سنموت ولا ننهي ما يطلب منا من تأسفات, ولا تورط الشعر ((بالأخلاق الحسنه))
حتى لا يفقد جذوته.
ما لفت انتباهي في ديوان كاظم ابراهيم, هو عدم ركض صاحبه وراء إغراء التطويل, فهو يحاول أن يبني فكرة قصيدته باقتضاب, وبأشد اقتضاب إذا أمكن, وهو يخدم بذلك نصه الشعري, ويحافظ على قدرته بالسيطرة على المضمون, وعدم تفتيت الحلم الشعري والمضمون على مساحة واسعة من الورق الكلمات. وأقول بصراحة إني تقريبا لا انهي أي قصيدة طويلة مما ينشر إذا فقدت الجذوة التي تجعلني أعيش مع النص وتقريبا وربما يزعل البعض, لا أجد مثل تلك القصائد رغم أنها تحتل أحيانا صفحه كاملة من صفحات الصحف الأدبية.
وقد تكون قصائد كاظم (البرقية) نموذجاًً جيداً.
ولا زلت اذكر حتى اليوم قصيدة لسالم جبران تقول:
((كما تحب الأم طفلها المشوه أحبها حبيبتي بلادي)).
ولا زلت اعتبر هذه القصيدة من أجمل ما كتب عندنا!!!
كاظم بذلك يتصرف بصدق مع نفسه ومع شعره, وهناك مقاطع جميله (قصائد): في ((هروب أمل)) يقول:
تكابرين وأنت صخر لا يلين فما أردت منك حباً إنما شاء الزمان لي أن ألتقيك ماء
ليس يروي صرخة ليست تعين.
قصائد الديوان تتوزع بين الغزل والقصائد الوطنية, وهو أن الغزل يأخذ معظم مساحة الديوان.
ولكن يبدو أن غزلنا فيه شيء من الوطنية أيضا ففي تعابير الحب أحيانا تتسرب تعابير من السياسة
ومن القتال, وهذا الأمر ليس جديداً في شعرنا,فعنترة سبقنا حين قال((وددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المبتسم)).
لغة كاظم ابراهيم الشعرية غير مركبه وتنساب قراءة وفكرته دون جهد وهو واضح الصورة دائماً
ولا يبحث عن الإغراب في النص ليثبت أن لديه من الشاعرية أكثر مما يستطيع النص أن ينقل
للقارئ. يأخذ مواضيعه بانسيابها ولا يدفعها لقمة الجبل, ليدحرجها مثل كرة الثلج, التي مهما تضخمت يبقى مضمونها واحداً.
للأسف لا دواوين سابقه لدي, لاستطيع أن التمس الطريق التي اجتازها كاظم, وإنما اعتماداً على الذاكرة مما قرأت واقرأ له بصحافتنا. استطيع أن أقول, أن كاظم يتعامل مع الشعر بمسؤولية
ويدأب على تطوير أدواته ولغته بحذر, ولكن بتواصل.
يشمل الديوان بعض القصائد المكتوبة بالأسلوب الكلاسيكي (العمودي) ولكني, وأقول ذلك كملاحظة فقط, لاحظت انه يضطر أحيانا كغيره من شعراء الشعر العمودي لحشر كلمات كل ما تعطيه هو موسقة للقصيدة فقط, ومع ذلك ففي القصائد العمودية مقاطع جميلة.
وربما بسبب محافظة كاظم ابراهيم على حجم قصيدة يتمشى مع قدراته, ولا يتجاوز المساحات لمجرد إثبات ((فحولته)) الشعرية, نجد إن مبنى القصيدة عنده أكثر اكتمالاً مما نعرفه من شعرنا الحديث ــ القصد ما يكتب من شعر حديث من هنا ديوانه الشعري, يقع حقاً في منطقة الشعر الجغرافية, ولا يقع في باب الألغاز. وأنا لم أحاول أن أتعرض لبعض المقاطع التي اعتقد انه كان باستطاعته أن يعطيها نبضاً شعرياً أكثر حرارة, إنما حاولت أن أعطي فكرة عن شاعر جاد وديوان جاد.
(الناصرة)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق